محمد كرد علي
74
خطط الشام
رأى المصلحة أن يعود إلى المدينة بمن معه . وكان سبب هذه الغزوة أن النبي بعث الحارث بن عمير رسولا إلى ملك بصرى عاصمة حوران بكتاب كما بعث إلى سائر الملوك ، فلما نزل بمؤتة عرض له عمرو بن شرحبيل الغساني فقتله ، ولم يقتل لرسول اللّه رسول غيره . وقيل : إن هرقل نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم وانضمت اليه المستعربة من لخم وجذام وبلقين وبهراء وبلي في مائة ألف منهم . كانت أخبار الشام عند أهل المدينة كل يوم لكثرة من يرد عليهم من الأنباط « 1 » فقدمت عليهم قادمة فذكروا أن الروم قد جمعت جموعا كثيرة بالشام ، وأن هرقل صاحب الروم قد رزق أصحابه لسنة ، واستنفر العرب المتنصرة فأجلبت معه لخم وجذام وغسان وعاملة وبهراء وكلب وسليح وتنوخ من عرب الشام « 2 » وزحفوا وقدموا مقدماتهم إلى البلقاء وعسكروا بها ، وتخلف هرقل بحمص وضرب الروم على العرب الضاحية البعوث . فرأى الرسول إن لم يبدإ الروم القتال بدأوه به ، فأعلم في سنة تسع بالتجهيز لغزو الروم والطلب بدم جعفر بن أبي طالب الذي استشهد في مؤتة في السنة الفائتة . وكان الرسول إذا أراد غزوة ورّى بغيرها إلا في هذه ، لقوة العدو وبعد الطريق والجدب والحر والناس في عسرة . وكان معه ثلاثون ألفا ، والخيل عشرة آلاف ، والجمال اثنا عشر ألفا ، ولقي الجيش حرا وعطشا . وقد أنفق أبو بكر الصديق في تجهيز هذا الجيش جميع ماله ، وأنفق عثمان بن عفان نفقة عظيمة . خرج المسلمون في غزوة تبوك الرجلان والثلاثة على بعير ، وخرجوا في حر شديد فأصابهم يوما عطش شديد حتى جعلوا ينحرون إبلهم فيعصرون أكراشها ويشربون ماءها ، فكان ذلك عشرة من الماء وعسرة من الظهر وعسرة من النفقة ولذلك سمي جيش العسرة .
--> ( 1 ) كان الأنباط يقدمون كثيرا إلى المدينة في الجاهلية والإسلام يحملون الزيت والدرمك . والدرمك دقيق الحواري . ( 2 ) ذكر الثقات أنه كان لسبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان واسمه عبد شمس صاحب اليمن عشرة أولاد ، وسكن الشام منهم أربعة وهم لخم وغسان وجذام وعاملة .